لست هنا لإعادة ذكرى المذبحة ،و لست هنا لأعيد فتح الحرج الغائر في جسم مجتمعنا المنهار ،هذا المجتمع الذي لا يتعلم من أخطائه أبدا مهما تقدم به الزمن ،و لست هنا لأعيد أرقام فقط تثير العاطفة، و كنت ولا زلت مخالفًا للإخوان كتيار سياسي ، بل لأراجع وضعنا الذي أصبحنا فيه ،فتلك المراجعة مهمة لسببين ، السبب الأول هو الفردانية و التشظي الذي أصبحنا فيه ، يكمن السبب الثاني في وضع رؤية محددة و دقيقة لما نحن فيه من جهل و الخوف المرضي الذي نحن فيه ، و ذلك يترتب عليه عدة أمور نكتفي بالذكر منها:
1معرفة الوضع على حقيقته و كيفية مواجهة الأزمة من الفرد للدولة.
2-التفريق بين الفوضى السياسية ، و الفوضى الذي يقصدها الإعلام.
3-التوضيح بأن الاستقرار ليس كما يسميه أرسطو “استقرار التدمير ما يترتب عليه من تخلف و جمود.
4 -إلقاء حجر في المياه الراكدة لسياستنا.
5-و أهم الأشياء المركز عليها هو مبدأ تسليم الرايات ،فذلك المصطلح يعني به هنا تسليم الصفات الحسنة و ردم كل ما يتعلق بالفساد و لعنة الدم فحسب بل قد يمتد ليكون إعادة تأسيس الأسس الذي يسير علبه الإنسان.
لماذا “يوم العار المصري “تسمية مناسبة؟؟
في 15 أغسطس 2013،قامت صحفية الاندبيديت البريطانية بتحقيق موسع للغاية عما حدث في رابعة، بغض النظر عما حدث ،فاللافت للنظر هو العنوان “يوم العار المصري”، فلماذا ما جرى اعتبرته الصحفية عار فيما يعتبرونه بعض المصريين لحد الساعة انتصارًا أو أمرًا هنيًا؟ هذا ما يتطلب تأمله بشيء من التفصيل . يخبرنا السياسي الفرنسي و أستاذ علم الاجتماع السياسي “بيير كونسه” في كتابه “صنع العدو “أن ما يتطلبه فقط لجعل أي شخص أو جماعة عدوًا أو مراد شيطنته 3 خطوات و هي :
1-تحويله لشيء أو حشرة بالإهانة
2-اتهامه بافتعال الفوضى و بذلك يكون الأمر مبررًا و سهلًا
3-تغيير نفسية الإنسان بحيث يجعله يتقبل الدماء و القتل بمنتهى السهولة. و بذلك، يكون الإنسان همه التكاثر و اللقمة.
و الخطوات هذه طبقت عدة مرات في التاريخ ، ومنها المذبحة التي حدثت في رواندا عام 1993م على يد قبيلة التوتسي لقبيلة الهوتو التي راحت ضحاياها من 800 ألف ل 2 مليون فرد ، و قد أجاب أحد السكان الذي قتل صديقه و جاره الذي عمل معه لمدة 10 سنوات بأنه رآه بصفته حشرة ، و قد أكده أحد الجنود اليابانيين هذا عندما كان يقتل الصينين بمنتهى الأريحية فقال أنه كان يراهم محض حشرات. و هذا ما حدث أيضًا مع تجربة عالم النفس الأمريكي ألبرت باندورا حينما أحضر مجموعتين و قسم إحدى المجموعتين لثلاث مجموعات ، و صنفهم لثلاث تصنيفات و هي الأذكياء، و الحيوانات ، و اللاشيء ، و يقوموا بصعق من يجيب الأسئلة خطأ بصعقة مقدارها 150 فولت. ووجد أنه تلقي أكبر قدر من الصعق كان من نصيب مجموعة الحيوانات ، فهذه النتيجة استخلصت برغم أنه كان تصنيف افتراضي ، فتصنيف الشخص من قبل سلطة أو مدير لا يحبه يترك في اللاوعي الخاص ببقية الأشخاص بأنه يستحق الوصف المهين كما وصفهم الإعلام بالحشرات و هو ما تؤكده أستاذة العلوم السياسية “داليا فهمي” أنك لا يمكنك رشه فعليك أن تسحقه.
مجتمع الإرهاق و التحايل الأناني.
تعد لقمة العيش من الأساسيات المهمة في مجتمعنا ،و لا لوم لهم في ذلك، فمجتمعنا الذي يعتمد سياسة التحايل على العيش تحت ظلال الاستبداد، و أما ما ضمن له الاستمرار هو الفردانية و الأنانية و المكر ، و يتوازى مع ذلك إغفال الأساس الفاسد من الجبن ، و ذلك عبر عنه الشيخ محمد الغزالي ” إذ كان الأب جبانًا و اللص جريئا فالبيت ضائع لا محالة”. فأضحى المجتمع مجهدًا متعبًا مريضًا ، يعاني منه 25% على الأقل من الأمراض النفسية و تزايدت الجريمة بمعدل ثابت 5% سنويًا منذ عشر سنوات ، أي بحسبة بسيطة فإن الجريمة زادت بمقدار 50% و تصدرنا المركز الأول في الانتحار في الدول العربية بمعدل من 4ل7 حالات يوميًا ، و الطلاق وصل ل 298 ألف حالة بحسب تقرير الايكمنونست البريطانية ، و هذا فقط لقهرنا و رغبتنا الدائمة في التحايل و الجري وراء غريزة البقاء.
الملف الاقتصادي في الإنعاش و يحتاج طبيب مؤهل !!
هناك عدة عوامل و ملامح و أدلة تدل على قوة أو ضعف الاقتصاد ، و من أهم تلك الملفات التي تعد رمق أي دولة هو قوة العملة ، إذ فقد الجنيه منذ 2013 3 أضعاف قيمته أكثر مما فقد في الحقبة من 1952ل2012م .و زاد عدد و نسبة الفقراء بنسبة مفزعة ووتيرة متسرعة من 27.5%ل 60% لدرجة أن شهدنا بدايات ثورة الجياع بالفعل. و المتوقع حدوثه بعد ذلك هو الحرب الطبقية ، و يتزامن مع ذلك بالطبع زيادة الديون الخارجية ل 165 مليار دولار ، و الداخلية ل 4 تريليون جنيه مصري ، و أصبحت الدولة على شفا الإفلاس ، و نقصت العملات الأجنبية و نتيجة لذلك خرج بعض البرلمانين ليقترحوا اقتراحات ليست مستهجنة فحسب ، بل إنها سريالية لا تمت للواقع بصلة مثل بهاء الدين أبو شقة و أحمد عاشور ، و هو ما خفض تحويلات العاملين في الخارج بمقدار 1.6 مليار دولار. و أصبح غلاء الأسعار كالملابس التي نبادلها يوميًا .
و فشلت الدولة في بيع الأصول لجذب الاستثمارات الأجنبية و العربية و الاقتراض من المؤسسات الدولية.
الفوضى كلمة هلامية يراد بها استمرار استعباد الشعب.
“الفوضى “كم من مرة سمعنا هذه الكلمة في الإعلام و حولنا . و هنا يطرق سؤال هام و هو هل للفوضى آثارُا إيجابية؟؟و تلك الآثار يجيب عنها الفيلسوف سلافوي جيجك باعتبار أن الفوضى وسيلة لإعادة بناء ،فالفوضى يمكن أن تكون إيجابية إذ ما كانت خلاقة و ليست عشوائية أو قائمة على التخريب كما يصورها الأعلام. فالفوضى الفرنسية الذي كانت في عام 1889 هي التي أخرجت الناس من الملكية للجمهورية و الثورة المجيدة في إنجلترا عام 1886 هي التي أخرجت إنجلترا من الحقبة الديكتاتورية للحقبة البرلمانية ،فأي خطاب يردد نغمة الفوضى فهو خطاب نفعي يريد أن يظل في نعيم دائم ، مقابل إبقاء الشعب تحت الاستعباد .
فليس هناك فوضى تخريبية طالما هناك مسؤولية و أمل ، فإن غيابها يعني غياب الإنسان ، و ذلك ما لا يحمد عقباه.

